نحو إسلام الرسول

(532) 3/11/2016 (الشهادة العلمية والشهادة البصرية)

هل إذا مات المسلم، وهو يشهد أنه «لا إله إلا الله»، وأن «محمدا رسول الله»، مات مشركًا؟!

فرق كبير بين أن نعتبر القرآن الكريم كتابًا إلهيًا كالكتب التي سبقته، والتي كان يحمل الرسول معها «الآية الحسية» الدالة على صدق «نبوته»، وبين أن نعتبر القرآن كتابًا إلهيًا، يحمل «الآية القرآنية»، القائمة بين الناس إلى يوم الدين.

فرق كبير بين أن نتعامل مع كتاب الله باعتباره «الآية القرآنية»، التي تعهد الله بحفظ نصوصها إلى يوم الدين، وبين أن نتعامل معه باعتباره تراثًا دينيًا آتاه الباطل بعد وفاة النبي، مثله مثل «مرويات» الرواة المنسوبة إلى النبي.

إن الذين دخلوا في الإسلام، على مر الرسالات الإلهية، لم يدخلوه من باب التصديق بالكتاب الذي أنزله الله على الرسل، وإنما من باب التصديق بـ «الآية الإلهية» الدالة على صدق «الله»، وصدق «النبي»، وصدق «الكتاب».

ولقد كانت الآيات الدالة على صدق الرسل آيات «حسية»، يؤمن بها من شاهدها، وتنتهي فاعليتها بموت الرسول، ثم تصبح خبرًا في ذمة التاريخ.

ولقد بعث الله نبيه الخاتم محمدًا، وأنزل عليه القرآن رسالة للناس جميعًا، ولم يؤيده بآيات «حسية».

والسؤال:

إذن فعلى أي أساس دخل الناس في الإسلام، وشهدوا أن رسول الله محمدًا حق، واتبعوا القرآن الذي أنزله الله على قلبه، وهم لم يشاهدوا بأعينهم البراهين الدالة على صدق «نبوته»؟!

الجواب:

لقد شاء الله ألا ترتبط «الآية» الدالة على صدق «النبوة» الخاتمة بشخص النبي، فإذا مات النبي لم تمت معه آيته، لذلك جاءت «آية قرآنية»، يحملها الكتاب في ذاته، لتكون حجيتها قائمة إلى يوم الدين.

لقد جاء كتاب الله الخاتم «آية قرآنية»، يؤمن بها من شهد «شهادة علمية» بفاعليتها في عصره، فهي ليست «آية حسية»، يرث المسلمون بعد وفاة النبي خبرها عن آبائهم، كما ورثوا تراثهم الديني.

لقد شهد من دخلوا في الإسلام، في عصر الرسالة الخاتمة، بالوحدانية، وأنه «لا إِله إِلا الله»، على أساس الآيات البيّنات التي شاهدتها قلوبهم «في الآفاق والأنفس»، بآليات التفكر والتعقل والتدبر..، كما شهدوا أن «محمدًا رسول الله» على أساس إقرارهم بصدق «الآية القرآنية» وحجيتها على العالمين.

لقد كانت شهادة أن الرسول حق، باب الدخول في الإسلام، بعد شهادة الوحدانية، يقول الله تعالى في سورة آل عمران:

«كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ، وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ، وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ، وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ»

ولذلك، وحتى لا ينكشف أمر المنافقين، خرجوا يشهدون أن الرسول حق، وقالوا: «نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّه»، وأقر الله موضوع هذه الشهادة «وَالله يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ»، ولكنه سبحانه كذبهم في حقيقتها «وَالله يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ».

إن المنافقين لم يدخلوا الإسلام من باب «الشهادة العلمية» بصدق «الآية القرآنية» الدالة على صدق النبي، الذي يشهدون أنه رسول الله، وإنما دخلوا الإسلام من باب النفاق، وشهدوا نفاقا، ولم تؤمن قلوبهم «وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ».

إن المؤمنين الذين شهدوا في عصر الرسالة، أنه «لَا إِلَهَ إِلَّا الله»، لم يروا الله بأبصارهم، ولكنهم شهدوا «شهادة علمية» على الوحدانية، قامت على تصديقهم بالآيات البيّنات.

وإن المؤمنين الذين شهدوا في عصر الرسالة، أن «محمدًا رسول الله»، لم يروا «الآية الحسية» الدالة على صدق نبوته، ولكنهم شهدوا «شهادة علمية»، قامت على إيمانهم بفاعلية «الآية القرآنية»، من خلال تفعيل آليات التفكر والتعقل والتدبر..، آليات عمل القلب.

واليوم، يجب أن يشهد المسلمون أنه «لَا إِلَهَ إِلَّا الله»، وأن «محمدًا رسول الله»، على أساس التصديق بالآيات البيّنات الدالة على «الوحدانية»، وبفاعلية «الآية القرآنية» القائمة بينهم.

والسؤال:

متى وأين شهد المسلمون، بجميع طوائفهم وتوجهاتهم العقدية والمذهبية المختلفة، «شهادة علمية» أن «محمدًا رسول الله»؟!

الجواب:

لم يحدث أن شهدوا «شهادة علمية» بفاعلية «الآية القرآنية» القائمة بينهم، لأنهم لو شهدوا ما تخلفوا عن ركب التقدم الحضاري، ولحافظوا على خيرية أمتهم، وعلى شهادتهم على العالمين.

إن الذين يتصورون أن القراءات المعاصرة، هي التي ستصل بالمسلمين إلى العالمية، عن طريق التحلل من أحكام الشريعة القرآنية، والذهاب إلى دول العالم بإسلام لا علاقة له بالدين الإسلامي الذي ارتضاه الله للناس جميعًا، هؤلاء قومٌ يجهلون.

إن عين التخلف، أن يظن «الجاهل» بدين الله، أن الإسلام يمكن أن يصل إلى العالمية، عن طريق «منظومة الفكر الإسلامي»، التي ظلت تتضخم وتتوحش قرونا من الزمن، ولم يستطع المسلمون أن يتقدموا خطوة واحدة نحو التقدم، فإلى أين تذهبون؟!

إن الله تعالى هو الذي وعد المؤمنين بالوصول إلى العالمية، وإقامة الشهادة على الناس، فتدبر:

«وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ»

ولكن أين هم «الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ»؟!

إن هذه هي القضية، وهذه هي الأزمة، وهذه هي القراءة المطلوب فهمها، والتركيز عليها، وليس الهروب منها، ووضع رؤوسنا في الرمال: أين هم الذين وعدهم الله تعالى بما يلي:

أولا: الوصول إلى العالمية: «لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ»

ثانيا: تمكين الدين الذي ارتضاه لهم: «وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ»

ثالثا: أن يعيشوا في أمن وأمان: «وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا»

ولكنه سبحانه اشترط شرطًا لتنفيذ وعده: «يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا»

إذن فالمشكلة، والمصيبة، أكبر من أن يجد المسلمون من يساعدهم على التحلل من أحكام الشريعة القرآنية، بقراءات معاصرة جاهلة، إنها مصيبة الشرك بالله: «يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا»، لذلك لم، ولن، يصل المسلمون إلى العالمية.

إن المسلمين، على مر العصور، لم يشهدوا شهادة علمية، أن «محمدًا رسول الله»، ولم يقيموا إيمانهم برسول الله على فاعلية «آيته القرآنية» في كل عصر، لذلك قبلوا أن تكون مرويات الرواة مصدرًا تشريعيًا إلهيًا ثانيًا، فأشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا.

ولكن الأغرب، والمستغرب، أن يخرج علينا من يقول:

إن من مات يشهد أنه «لا إله إلا الله»، وأن «محمدًا رسول الله»، مات مشركًا!!

قالوا:

لأن القرآن لم ينص إلا على شهادة واحدة، هي شهادة أنه «لا إله إلا الله»، فقال تعالى:

«شَهِدَ الله أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ»

وقالوا:

إن الله أمر المؤمنين ألا يُفرّقوا بين الرسل، فقال تعالى في سورة البقرة:

«آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ، كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ، لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ..»

أقول:

لقد بيّن الله تعالى، أن الذين يُفرّقون بين الرسل، هم الذين كفروا بالله ورسله، فقال تعالى في سورة النساء:

«إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ، وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ، وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ، وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا، أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا، وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا»

إن الذين قالوا: «نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ»، هم الذين كفروا بالله ورسله.

فهل الذين دخلوا في الإسلام، بعد أن شهدوا بـ «الوحدانية»، وشهدوا أن «محمدًا رسول الله»، على أساس فاعلية «الآية القرآنية»..، هل هؤلاء كفروا بالله ورسله، «وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ»؟!

«أَفَلَا تَعْقِلُونَ – أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ – أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ – أَفَلَا تَتَّقُونَ – أَفَلَا تَسْمَعُونَ – أَفَلَا تُبْصِرُونَ»

محمد السعيد مشتهري

أحدث الفيديوهات
YouTube player
تعليق على مقال الدكتور محمد مشتهري (لا تصالحوهم ولا تصدقوهم)
* خالد الجندي يتهم ...
محمد هداية لم يتدبر القرآن
لباس المرأة المسلمة
فتنة الآبائية
الأكثر مشاهدة
مواقع التواصل الإجتماعى