نحو إسلام الرسول

(378) 16/9/2015 (المصدر الثاني للتشريع تراث بشري لا نبوي)

لقد اختلف المحدثون حول عدد الأحاديث النبوية الصحيحة الموجودة في أمهات كتب الحديث على مستوى فرقة أهل السنة، والرأي الراجح الذي ذهب إليه ابن حجر في «النكت على ابن الصلاح» أن جملة الأحاديث المسندة عن النبي، أي الصحيحة المتصلة السند بلا تكرار، تبلغ أربعة آلاف وأربعمئة «٤٤٠٠» حديث!!

فإذا نظرنا إلى عدد الأحاديث التي كانت منتشرة بين رواة أهل السنة في منتصف القرن الثالث الهجري، والتي أخرج منها أحمد بن حنبل »ت٢٤١هـ« مسنده، وجدناها سبعمائة وخمسين ألف، «٧٥٠٠٠٠» حديث، والتي أخرج منها البخاري »ت٢٥٦هـ» صحيحه، وجدناها ستمائة ألف «٦٠٠٠٠٠» حديث!!

فإذا أردنا معرفة نسبة الصحة في مجموع الأحاديث التي كانت منتشرة ومتداولة بين الرواة في منتصف القرن الثالث الهجري، في عصر أحمد والبخاري، وجدناها ٠.٧٪ (٤٤٠٠ / ٦٠٠٠٠٠) وهي نسبة تُسقط حجية علم الحديث من قواعده!!

ولقد اتفق المحدثون على أن البخاري «ت٢٥٦هـ»، ومسلم «ت٢٦١هـ» أصح الكتب المصنفة في الحديث، ثم تأتي بعدهما في المرتبة الثانية كتب السنن: سنن الترمذي «ت٢٧٠هـ»، سنن ابن ماجه «ت٢٧٣هـ»، سنن أبي داود «ت٢٧٥هـ»، سنن النسائي «ت٣٠٣هـ»، ثم بعدها تأتي المسانيد في المرتبة الثالثة وفي مقدمتها مسند الإمام أحمد بن حنبل «ت٢٤١هـ»!!

فهل كان أصحاب هذه الكتب السبعة، الذين عاشوا جميعا في عصر واحد وهو القرن الثالث الهجري، يعلمون أن نسبة صحة الحديث المنسوب إلى النبي لم تصل إلى الواحد الصحيح (٠.٧٪)؟!

وإذا كانوا يعلمون، فهل يُعقل شرعا أن يقوم على هذه النسبة مصدر تشريعي إلهي، يحمل أحاديث نبوية تكون من نصوص الدين واجبة الاتباع؟! وهل يُعقل أن يكون هذا المصدر التشريعي وحيا إلهيا، ثم يكون سببا في أزمة التخاصم والتكفير بين المسلمين، وسفك دماء بعضهم بعضا، وظهور المؤسسات الدينية المذهبية، الرسمية وغير الرسمية، وقيام التنظيمات المتطرفة التي تسعى في الأرض فسادا، رافعة راية العمل بكتاب الله وسنة رسوله؟!

وبعيدا عن نظرية المؤامرة وتوجهاتها السياسية، فإن أئمة السلف وأصحاب أمهات كتب التراث الديني بكل علومها، هم الذين بأيديهم فرقوا دينهم وكانوا شيعا، وليس بأيدي أعدائهم، فقد جعلوا تدينهم البشري المذهبي دينا إلهيا، ومصدرا تشريعيا، بدعوى وجوب اتباع «السلف الصالح»!!

فلماذا لم يجتمع «السلف الصالح» على كتاب واحد في الحديث، إذا كان حقا مصدرا تشريعيا إلهيا ثانيا؟! إن البراهين العلمية الساطعة تشهد أن مسألة جمع الحديث كانت مسألة اجتهادية شخصية، لا علاقة لها بالمصدر التشريعي الإلهي، وإلا لتحملت مؤسسة الخلافة هذا العمل!!

يروي ابن حجر في «مقدمة فتح الباري»، نقلا عن البخاري قوله: كنا عند إسحاق بن راهويه فقال: لو جمعتم كتاباً مختصراً لصحيح سنة رسول الله، فوقع ذلك في قلبي، فأخذت في جمع الجامع الصحيح، وخرجت كتابي من ستمئة ألف حديث، أحفظ مئة ألف حديث صحيح، ومئتي ألف حديث غير صحيح، وجعلت كتابي حجة فيما بيني وبين الله تعالى، وما أدخلت في كتابي حديثاً إلا بعد أن استخرت الله وتيقنت صحته، وما تركت من الصحيح أكثر!!

فها هو البخاري يشهد بنفسه أن مسألة جمع الأحاديث، وتدوين المصنفات، مسألة شخصية لا علاقة لها بمؤسسة الخلافة، فانظر إلى قوله: «فوقع ذلك في قلبي»، أي أن البخاري «ت٢٥٦هـ» وهو في القرن الثالث الهجري، لم يكتب الجامع الصحيح خوفا من ضياع مرويات السنة، التي ضاعت أصلا قبل أن تصل إلى عصره، وإنما استجابة لطلب إسحاق بن راهويه!!

ولكن السؤال: كيف تيقن البخاري أن الأحاديث التي رواها في كتابه «الجامع الصحيح» كلها صحيحة، وهو يعيش في القرن الثالث الهجري؟! ما معنى قوله: «وما أدخلت في كتابي حديثاً إلا بعد أن استخرت الله وتيقنت صحته»؟! فهل تيقن من صحة الحديث بوحي من الله؟!

وإذا كان البخاري قد تيقن من صحة كتابه «الجامع الصحيح» بعد أن استخار الله، فلماذا ذهب يعرضه على أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني، وغيرهم، ليراجعوه، فاستحسنوه وشهدوا له بالصحة؟! [ابن حجر، مقدمة فتح الباري]

وإذا كان البخاري يعتبر أحمد بن حنبل إماما في الحديث، وميزانا في معرفة الصحيح من الضعيف، فلماذا لم يتبعه؟! وإذا كان أحمد يعتبر البخاري إماما في الحديث فلماذا لم يتبعه؟!

ثم انظر ماذا يقول أحمد بن حنبل عن مسنده: «إن هذا الكتاب قد جمعته وانتقيته من أكثر من سبعمائة وخمسين ألفاً، فما اختلف المسلمون فيه من حديث رسول الله فارجعوا إليه، فإن كان فيه وإلا ليس بحجة». [طبقات الشافعية للسبكي «ت٧٧١هـ، والمصعد الأحمد، لابن الجزري «ت٨٣٣هـ»]

ويقول عبد الله بن أحمد بن حنبل: قلت لأبي رحمه الله تعالى: لم كرهت وضع الكتب وقد عملت المسند، فقال: عملت هذا الكتاب إماما، إذا اختلف الناس في سنة رسول الله رجعوا إليه!! [خصائص مسند الإمام أحمد، لمحمد بن عمر الأصبهاني «ت٥٨١هـ»]

فها هو صاحب المرجعية الأولى لمنظومة الفكر السلفي، يذهب إلى عدم حجية كل الأحاديث التي وصلت إلى عصره والتي لم يروها في مسنده، بما في ذلك أحاديث الكتب الستة، وفي مقدمتها البخاري ومسلم!!

فإذا رجعنا إلى القرن الثاني الهجري، وجدنا أن معظم أحاديث موطأ مالك «ت١٧٩هـ» لم يروها أحمد في مسنده، وأن مالكا لم يُدوّن أحاديث الموطأ خوفا من ضياع مرويات السنة، وإنما طُلب منه ذلك، فقد ذكر الطبري في «تاريخ الرسل والملوك» روايتين عن سبب تدوين مالك للموطأ:

الرواية الأولى: أن الخليفة المنصور العباسي، طلب من مالك أن يُدوّن كتابا جامعا في العلم، يتجنب فيه شدائد ابن عمر، ورخص ابن عباس، وأن يوطئه للناس، ويبعث به إلى الأمصار ليوحد العمل به، فألف كتابه هذا، وسماه الموطأ!!

انظر إلى هذا الشرط الذي وضعه المنصور للإمام مالك، كي يلتزم به وهو يجمع أحاديث الموطأ: «تجنب شدائد ابن عمر، ورخص ابن عباس». انظر كيف كان العلم في القرن الثاني الهجري يُفصّل على هوى الخلفاء، وذلك مع بداية عصر التدوين!!

الرواية الثانية قول مالك: عرضت كتابي هذا على سبعين فقيها من فقهاء المدينة فكلهم واطأني عليه، فسميته الموطأ، ثم جاء المهدي حاجا فسمعه مني وأمر لي بخمسة آلاف دينار ولتلاميذي بألف!!

والسؤال: لقد سبق موطأ مالك «ت١٧٩هـ» مسند الإمام أحمد بن حنبل «ت٢٤١هـ»، وصحيح البخاري «ت٢٥٦هـ»، وصحيح مسلم «ت٢٦١هـ»، بقرن من الزمان تقريبا، فما موقف المسند من أحاديث الموطأ، الذي كان يعيش صاحبه في دارالهجرة، المدينة المنورة، التي كانت زاخرة بكثير من التابعين علمائهم وفقهائهم ورواتهم ومن اهتموا بالتصنيف، كما يعلم المحدثون؟!

يقول الرامهرمزي «ت٣٦٠هـ»، وهو صاحب أول كتاب في علم أصول الحديث، وهو كتاب «المحدث الفاصل بين الرواي والراعي»:

إن أول من صنف في الحديث ورتبه على الأبواب هم: ابن جريج «ت١٥٠هـ» بمكة، ومعمر بن راشد «ت١٥٤هـ» باليمن، والأوزاعي «ت١٥٧هـ» بالشام، والثوري «ت١٦١هـ» بالكوفة، والربيع بن صبيح «ت١٦٠هـ» وغيره بالبصرة، ومالك «ت١٧٩هـ» وغيره بالمدينة، وابن المبارك «ت١٨١هـ» بخراسان، وجرير بن عبد الحميد «ت١٨٨هـ» بالري!!

فإذا نظرنا إلى هؤلاء المحدثين، وجدناهم جميعا في عصر واحد، عصر مالك، في القرن الثاني الهجري، فلماذا لم يجتمعوا على كتاب واحد في الحديث، وهم الأقرب لعصر الرسالة من القرن الثالث الهجري؟!

إن معظم أئمة السلف والخلف، متفقون على أن موطأ مالك هو أقدم مؤلف في الحديث وصل إلينا من القرن الثاني الهجري، الأمر الذي جعل ابن الأثير «ت٦٠٦هـ»، يقدمه على سائر المحدثين في كتابه «جامع الأصول في أحاديث الرسول»، يقول عبد القادر الأرنؤوط محقق الكتاب:

«قد عمد فيه المؤلف إلى الأحاديث التي وعتها الأصول الستة المعتمدة عند الفقهاء والمحدثين: الموطأ، والبخاري، ومسلم، وأبو دادود، والترمذي، والنسائي، والتي حوت معظم ما صح عن النبي الكريم».

فإذا ذهبنا إلى الزرقاني «ت١١٢٢هـ» شارح الموطأ، وجدناه يقول في مقدمته: قال يحيى بن سعيد القطان «ت١٩٨هـ» ويحيى بن معين «ت٢٣٣هـ»: مالك بن أنس أمير المؤمنين في الحديث. وقال عبد الرحمن بن مهدي «ت١٩٨هـ»: ما بقي على وجه الأرض آمن على حديث رسول الله من مالك بن أنس، ولا أقدم عليه في صحة الحديث أحدا!!

وقال القاضي أبو بكر بن العربي ت٥٤٣هـ: «الموطأ هو الأصل واللباب، وكتاب البخاري هو الأصل الثاني في هذا الباب، وعليهما بنى الجميع، كمسلم والترمذي». [عارضة الأحوذي بشرح صحيح الترمذي]

والسؤال: لماذا اشتهر البخاري «ت٢٥٦هـ» بأنه أصح كتاب بعد كتاب الله، ولم يشتهر موطأ مالك «ت١٧٩هـ»، وهناك فريق من المحدثين يشهدون أنه هو الأصل الأول والبخاري الثاني؟!

إن ما سبق بيانه في هذا المقال، مجرد مثال يكشف حقيقة ما يسمى بالمصدر الثاني للتشريع، الذي يدعي أئمة السلف والخلف من فرقة أهل السنة، ومن باقي الفرق الإسلامية الأخرى، أنه حمل مرويات السنة النبوية واجبة الاتباع.

إن «المصدر الثاني للتشريع»، لجميع الفرق والمذاهب المختلفة، تراث ديني مذهبي، لا علاقة له بالدين الذي أمر الله تعالى باتباعه، والذي قال عنه: «وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ».

فهل هناك عالم يعرف معنى العلم، وحجية البرهان العلمي، ومكانة وأهمية التحقيق العلمي، يمكن أن يعتبر المصدر الثاني للتشريع (الخاص بأئمة فرقته)، من نصوص الدين الإسلامي الذي لن يقبل الله دينا غيره، وأئمة هذه الفرق الإسلامية هم «الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ»؟!

 

معلومات:

مقدمة فتح الباري: مقدمة وضعها ابن حجر العسقلاني لكتابه الذي شرح فيه صحيح البخاري والذي سماه «فتح الباري في شرح صحيح الإمام البخاري»، وجعله في عشرة فصول، بيّن فيها المنهج الذي اختاره في شرح الكتاب.

أحدث الفيديوهات
YouTube player
تعليق على مقال الدكتور محمد مشتهري (لا تصالحوهم ولا تصدقوهم)
* خالد الجندي يتهم ...
محمد هداية لم يتدبر القرآن
لباس المرأة المسلمة
فتنة الآبائية
الأكثر مشاهدة
مواقع التواصل الإجتماعى