نحو إسلام الرسول

(1470) 25/6/2020 «مقال الخميس» من أجل ذلك اختار الله اللغة العربية لآيته القرآنية العقلية

أقول في البداية:
إن كل المنشورات المتعلقة بعلوم اللغة العربية، يجب أن يكون القارئ على علم بموضوعاتها، ذلك أن المتأخر يقوم على المتقدم الذي سبق بيانه، فمن الأصدقاء الترانزيت من يقرأ منشورًا ثم يقول «أنا مش فاهم حاجة»!!
فماذا يعني أن ينزل «كلام الله» باللغة العربية؟!
ماذا يعني أن تنزل «الآية القرآنية العقلية» باللغة العربية؟!
ماذا يعني أن تكون «أحكام القرآن» باللغة العربية؟!
* هل يعني هذا أن المسلمين يكرهون «كلام الله»؟!
* هل يعني هذا أن المسلمين يكرهون «الآية القرآنية العقلية» لأنها نزلت بـ «اللغة العربية»؟!
* هل يعني هذا أن المسلمين يكرهون «أحكام القرآن»، ولذلك نجدهم يسعدون ويُعجبون بمن يُسقطها عنهم بإلحاده في آياتها؟!
إننا أمام «مصيبة إيمانية» لن يعرف المسلمون نتيجتها إلا يوم الحساب.
فتعالوا نلقي بعض الضوء، على سبب اختيار الله تعالى اللغة العربية لتنزل بها «الآية القرآنية العقلية» الدالة على صدق «نبوة» رسول الله محمد، والتي يستحيل أن يقبل الله إيمانًا ولا إسلامًا إلا إذا قام على الإقرار «العلمي» بصدق هذه «الآية القرآنية العقلية».
# أولًا:
«التقديم والتأخير في اللغة العربية»:
مثال: فرق بين أن نقول:
١- «أنا مصري» – «مصري أنا»:
الجملة الأولى يراد بيان الجنسية، أما الثانية فيراد بيان الافتخار بهذه الجنسية.
٢- «ساعدني أحمدٌ» – «أحمدٌ ساعدني»
الجملة الأولى يراد بيان مساعدة أحمد لك، وقد يكون هناك آخرون.
أما الجملة الثانية فبيان قصر المساعدة على أحمد، في حالة نسبة المساعدة إلى أكثر من واحد، فكأنك قلت:
«أحمد هو الذي ساعدني»
٣- «ساعد أحمدٌ عليًا» – «ساعد عليًا أحمدٌ»
الجملة الأولى جملة عادية فعل «ساعد» وفاعل «أحمدٌ» ومفعول «عليًا».
وقد يُراد شد الانتباه إلى المفعول «عليّ» عن طريق علم «التقديم والتأخير»، فنقدم المفعول بعلامة إعرابه لتمييزه، ونقول:
«ساعد عليًا أحمدٌ»: فـ «أحمد» الفاعل، و«علىّ» المفعول، وتحمل نفس المعنى: «ساعد أحدٌ عليًا».
وعندما نقرأ قول الله تعالى:
«إِنَّمَا يَخْشَى – اللَّهَ – مِنْ عِبَادِهِ – الْعُلَمَاءُ»
نفهم أن هناك تقديم «اللَّهَ» وتأخير «الْعُلَمَاءُ»، وحقيقة المعنى أن «العلماء» هم الذين يخشون الله:
«إِنَّمَا يَخْشَى – الْعُلَمَاءُ – اللَّهَ»
٤- أما إذا قلنا:
«ضرب إبراهيم مصطفى»
بدون وضع علامات إعرابية، فلن نعرف من الذي ضرب الآخر.
وطبعا هذه مجرد إشارات لمثال واحد عن «التقديم والتأخير» من عشرات الأمثلة التي يحملها «علم النحو العربي»، لبيان مدى المرونة التي تسمح بالتوسع في دلالات الكلام بصورة تعجز أي لغة في العالم أن تأتي بمثلها.
# ثانيًا:
«علم الصرف والميزان الصرفي»:
إنه العلم الذي تُعرف به الزوائد الداخلة على أصول الكلم، وهو الأساس الذي قام عليه «علم الاشتقاق».
وكما بيّنا في دروس اللغة العربية، فإن «الميزان الصرفي» هو المقياس الذي تُعرف به أحوال الكلمة العربية، «ثلاثية الأحرف»، في أكثر الأحوال.
١- لقد جعل أئمة اللغة «الميزان الصرفي» من ثلاثة أحرف أصلية مجموعة في كلمة «فَعَلَ»:
«الفاء – العين – اللام»
وجعلوا «الفاء» تقابل الحرف الأول من الكلمة.
و«العين» تقابل الحرف الثاني.
و«اللام» تقابل الحرف الثالث.
ومن مميزات الميزان «فَعَلَ»:
(أ): أن حروفه لا تتعرض للحذف، كالأفعال المعتلة، أي التي أصولها أحرف علة كـ «الألف والواو والياء».
(ب): أن حروفه الثلاثة تمثل «أعضاء النطق»:
– فـ «الفاء» مخرجها من أول أعضاء النطق الخارجية: الشفتان.
– و«العين» مخرجها من آخر الأعضاء: الحلق.
– و«اللام» من الوسط.
(ج): وعن طريق معرفة «الميزان الصرفي» يمكن اشتقاق عدد من الكلمات في أزمنة مختلفة:
مثال: كلمة «كَتَبَ»:
يأتي بصيغة المضارع «يكتب»، والأمر «اكتب»، واسم الفاعل «كاتب»، واسم المفعول «مكتوب» …، إلى اخر الصيغ المختلفة المشتقة من فعل «كَتَبَ».
٢- فإذا ذهبنا إلى اللغة الإنجليزية، لن نجد صيغة ثابتة يسترشد بها الدراس لمعرفة ماهية الكلمة وميزانها الصرفي.
مثال:
(أ): فنجد مثلا أن الفعل الماضي والمضارع والتصريف الثالث تمثل كل هذا كلمة واحدة «Put» أو «Hit».
(ب): أن الاسم يستخدم فعلًا:
فالاسم «View» يستخدم فعلًا، ومثله الاسم «Touch».
فلا يستطيع دارس الإنجليزية أن يقف على وظيفة الكلمة بالنظر إلى لفظها، أما في اللغة العربية فإن للفظ وصيغته الصرفية دلالة على معناه.
مثال: صيغة «فَعَلَ»:
* «يفعُل»: ضم العين، دالة على السكينة: سَكَتَ «يسكُت».
* «يفعَل»: فتح العين، دالة على الصوت: صَرَخَ «يصرَخُ»
* «يفعِل»: بكسر العين، دالة على الاضراب: خَابَ «يخيب».
مثال: صيغة «فَعِلَ»:
«يفعَل»: بفتح العين، دالة على الحزن: يَئِسَ «ييأَسُ».
إلى آخر الصيغ الصرفية التي لا مثيل لها في أي لغة من لغات العالم.
ومما سبق نعلم مدى قصور وضعف قدرة اللغات غير العربية عن البيان المرتبط بنظام وميزان صرفي، يجعلها غنية في أبنيتها الاشتقاقية وتعبيراتها البلاغية، من مجاز وكناية … إلى آخره.
# ثالثًا:
١- بلاغة الإيجاز:
مثال: نقول في جملة واحدة «سيارته» وهي كلمة واحدة، أما في الإنجليزية فنقول «His car» في كلمتين، ونقول في كلمتين «التلميذة مجتهدة» وفي الإنجليزية نقول:
«The student is diligent»
وعندما نبني الفعل الماضي «كَتَبَ» للمجهول نقوم بتغيير حركة الحرف الأول فقط من الفتح للضم «كُتِبَ»، أما في الإنجليزية فنحن نحتاج إلى ثلاث كلمات «It was written».
وفي الإنجليزية نكتب حروفًا غير منطوقة، مثل كلمة «Right» حيث نُسقط الـ «gh» ونثبتهما كتابة.
وفي الإنجليزية يتكرر الحرف الذي نضع له في العربية شَدّة « ّ» ونكرر حرف «m» في «recommendation».
ثم كيف تترجم كلمة «هيهات» في قوله تعالى:
«هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ»
يقولون: «It was too far».
بل وكيف ترجمت سورة الفاتحة المكونة من «٣١ كلمة»؟!
ترجمت إلى الإنجليزية في «٧٢ كلمة»!!
٢- فإذا ذهبنا إلى الضمائر، فإننا في اللغة العربية نستطيع أن نُعبّر عن الذوات المختلفة، سواء كانت مذكرًا «أنت» أو مؤنثًا «أنتِ» أو مثنى «أنتما» أو الجمع «أنتم» أو «أنتن».
أما في اللغات الأخرى فيستخدم ضمير واحد للتعبير عن الذوات المختلفة، ففي الإنجليزية تحل كلمة «you» محل كل الضمائر العربية السابقة، حيث يحدث لبس وغموض في المعنى في كثير من المواقف، كأن نقول:
«They want you to com»
فنجد أن كلمة «you» تعني كل الضمائر:
«أنت – أنتِ – أنتما – أنتم – أنتن»
بل إن كلمة «They» نفسها يحتمل أن يُقصد بها «اثنان» أو أكثر، فنقول:
– هما «يريدانك» أن تحضر.
– هما «يريداكن» أن تحضرن.
– هم «يردونكم» أن تحضروا.
# رابعًا:
١- ومما تتميز به لغة القرآن العربية، ما يُسمى بـ «الفاصلة»، وهي الكلمة الأخيرة من الآية، التي ترجع إلى أوزان موسيقية أو ما يُسمى بـ «القافية».
مثال: سورة العاديات:
(أ): «وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحاً * فَالْمُورِيَاتِ قَدْحاً * فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحاً»
* هنا نجد الفاصلة هي «حاً».
(ب): «فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً * فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً»
* هنا نجد الفاصلة هي «عاً».
(ج): «إِنَّ الإِنْسَان لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ * وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ * وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ»
* هنا نجد الفاصلة هي «دٌ».
(د): «أَفَلاَ يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ * وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ * إِنَّ رَبَّهُم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّخَبِيرٌ»
* هنا نجد الفاصلة هي «رِ»، باستثناء «لَّخَبِيرٌ» لأنها خبر إنّ مرفوع، واللام لام التأكيد.
وهناك الكثير من السور القرآنية قائمة على بلاغة «الفاصلة» وبديع إحكامها، الأمر الذي يستحيل أن تجده في لغة أخرى.
٢- إن حروف اللغة العربية الثابتة «الثماني والعشرون» تنطلق جميعها من أعضاء النطق، من أقصى الحلق إلى الشفتين، بصورة سهلة متناغمة متوازنة واضحة لا لبس فيها.
الأمر الذي لا نجده في أي لغة أخرى، حتى ولو كانت حروفها أكثر عددًا، فإننا سنجد مخارجها محصورة في نطاق ضيق كالشفتين مثلا، أو جهة الحلق.
ففي اللغة العربية لا تجتمع:
– الزاي مع الظاء والسين والضاد والذال.
– الجيم مع القاف والظاء والطاء والغين والصاد.
– الحاء مع الهاء – والهاء قبل العين – والخاء قبل الهاء.
– النون قبل الراء – واللام قبل الشين.
وهذه أيضا مجرد إشارات لما يحمله «علم الأصوات» من كنوز.
# خامسًا:
وإن من مميزات اللغة العربية أنها تتيح لمستخدمها فرصة التعبير عما يريد بأساليب بيانية متعددة، كما سبق بيانه في دروس اللغة العربية، في حين نجد في اللغات الأخرى، كالإنجليزية، تناقضًا كبيرًا في قواعد النحو بمسميات مختلفة.
لذلك كان من الضروري أن يدرك كل مؤمن مسلم الحكمة من وصف الله تعالى اللغة، التي كانت تنطق بها ألسن العرب، ونزل القرآن يخاطبهم بها، بـ «المبين»:
* «بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ»
ويجعل الله تعالى مهمة الرسل هي «البيان» عن طريق لغة القوم:
* «وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ»
الأمر الذي نفهم منه أنه لا توجد لغة من لغات العالم، كان يمكن أن تنزل بها رسالة الله التي حملت «آيته القرآنية العقلية» للناس جميعًا، غير اللغة العربية.
والآن نفهم:
لماذا اختار الله اللغة العربية لآيته القرآنية العقلية؟!
وعليه، فهل سيظل المسلمون يكرهون «كلام الله» العربي، ويُصرّون على عدم إعادة الدخول في «دين الإسلام» عن طريق الإقرار «العلمي» بصدق «الآية القرآنية العربية»؟!
* وتذكر:
١- أن الله تعالى لن يقبل إيمانًا ولا إسلامًا من امرئ لم يدخل في «دين الإسلام» من الباب الذي دخل منه الناس في عصر التنزيل، باب الإقرار العلمي بصدق «الآية القرآنية العقلية» الدالة على صدق نبوة رسول الله محمد، القائمة بين الناس إلى يوم الدين.
٢- أنه بدون منهجية علمية تحمل أدوات مستنبطة من القرآن، وفي مقدمتها علوم اللغة العربية وعلم السياق القرآني، لا أمل أن يفهم المسلمون القرآن، ويصبح من السهل أن تخترق شبهات الملحدين قلوبهم.
٣- أن مقالات هذه الصفحة تتحدث عن «ما يجب أن تكون» عليه حياة المسلمين كما أمرهم الله في القرآن، فإذا وجدت فيها غير ما أمر الله فأفدنا بعلمك.
٤- أما فيما يتعلق بـ «ما هو كائن» في حياة المسلمين، فيتحمل مسؤوليته كل مسلم، لقول الله تعالى:
* «وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ – وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنشُوراً – اقْرَأْ كَتَابَكَ – كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً»
محمد السعيد مشتهري
أحدث الفيديوهات
YouTube player
تعليق على مقال الدكتور محمد مشتهري (لا تصالحوهم ولا تصدقوهم)
* خالد الجندي يتهم ...
محمد هداية لم يتدبر القرآن
لباس المرأة المسلمة
فتنة الآبائية
الأكثر مشاهدة
مواقع التواصل الإجتماعى