(276) 11/10/2014 (د/ شحرور وأزمة الفكرالإسلامي – 1)

هناك أزمة يتعرض لها الفكر الإسلامي، بسبب ظهور قراءات قرآنية شاذة، يتعامل أصحابها مع القرآن على أساس أنه مشروع (هندسي)، أو منظومة (رياضية)، أو مرجع (لفظي ترتيلي)…، وهي قراءات تسعى إلى تفكيك بنية النص القرآني، وعزل الكلمة القرآنية عن سياقها المحكم!!

ومن هذه القراءات، قراءة للدكتور محمد شحرور، عن مفهوم الإسلام والإيمان، في كتابه (الإسلام والإيمان – منظومة القيم)، وهي ذات صلة بموضوع (مفهوم الإيمان والإسلام في الشريعة الإسلامية) الذي تحدثت عنه في المنشور (آية الزواج 1-11).

وحتى يتمكن القارئ الكريم من متابعة موضوع هذا المنشور، هذا هو رابط الكتاب:
http://www.shahrour.org/?page_id=117

* يقول د/ محمد شحرور في “التوطئة”، بعد أن ذكر أركان الإسلام، وأركان الإيمان، وبعد أن تكلم كلاما مرسلا، يستند فيه إلى التراث الديني، ولا علاقة له أصلا بموضوع الكتاب، قال:

“أما بالنسبة لأصحاب القسم الأول، فإن لدينا أكثر من مبرر لنسألهم من أين جاؤوا بما جاؤوا به، طالما أننا وأنهم ننطلق من أساس الأسس، وأصل الأصول، التنزيل الحكيم والسيرة النبوية”.

التعليق: من المفترض أن تشمل هذه (التوطئة) المنهج العلمي الذي اتبعه د/ شحرور في هذا الكتاب، والأدوات التي استخدمها في فهم الآيات القرآنية، ولكنه لم يفعل، وذكر فقط المرجعية التي استند إلى نصوصها عند كتابة هذا الكتاب، فقال:

“ننطلق من أساس الأسس، وأصل الأصول، (التنزيل الحكيم) و(السيرة النبوية)!!

انظر كيف ساوى بين كلام الله (التنزيل الحكيم)، وبين كلام البشر (السيرة النبوية)، واعتبر الاثنين (أساس الأسس، وأصل الأصول)!! مع ملاحظة أنه يستخدم دائما (التنزيل الحكيم) ولا يستخدم (القرآن) ولا (الكتاب)، لأنه في قراءته (الشاذة) للقرآن، يفرق بين الاثنين، كما فصّل ذلك في كتابه (الكتاب والقرآن – قراءة معاصرة)!!

* وتحت عنوان (الإسلام والمسلمون)، وبعد أن ذكر بعض الآيات التي وصفت الجن، وإبراهيم، ويعقوب، والأسباط، ويوسف، وسحرة فرعون، والحواريين، ونوحاً ولوطاً…، بأنهم (مسلمون)، قال:
“وهؤلاء جميعاً لم يكونوا من أتباع محمد”!!

التعليق: ومن قال إن (الإسلام) هو اتباع رسول الله محمد فقط؟! إن (الإسلام) دين جميع الأنبياء والرسل!! إنه الصورة العملية لتصديق القلب بأصول (الإيمان) الخمسة، وذلك سلوكا عمليا على أرض الواقع!! إنه (التسليم) لأحكام الشريعة الإلهية!! تدبر قوله تعالى في سورة البقرة:

“قُولُوا (آمَنَّا بِاللَّهِ)، وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا، وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى، وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ، (لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ) وَنَحْنُ لَهُ (مُسْلِمُونَ)”.

إن سياق الآية يتحدث عن أصول الإيمان: (الإيمان بالله)، ورسله، وكتبه…، وهي من مسائل الغيب التي يجب على المرء الإيمان بها، ليدخل في الإسلام!! ثم يأتي بعد ذلك (الإسلام): (وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ)”، وهذه سنة جميع الأنبياء والرسل!!

* ثم قال: “ونفهم من هذا كله أن (الإسلام) شيء و(الإيمان) شيء آخر، وأن الإسلام متقدم على الإيمان سابق له، وأن المسلمين ليسوا أتباع محمد (ص) حصراً”!!

التعليق: إن (الإيمان)، في اللسان العربي، وفي السياق القرآني، هو إقرار وتصديق القلب بالأصول الخمسة (قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ …)!!
أما (الإسلام) فهو تفعيل هذا الإقرار سلوكا عمليا في واقع الحياة، وذلك بالتسليم والخضوع لأحكام الشريعة الإلهية (وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ)!!
لذلك يستحيل أن يتقدم (الإسلام) على (الإيمان)!! تدبر قوله تعالى في سورة النساء:

“فَلا وَرَبِّكَ (لا يُؤْمِنُونَ) حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ (وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً)”!!
تدبر قوله تعالى (لا يُؤْمِنُونَ)، ثم بعدها (وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً)!!

إن البرهان على صدق (الإيمان) يكمن في كلمة (حَتَّى…) أي حتى يصدق (إسلامهم)، وذلك بتسليم الجوارح لأحكام الشريعة الإلهية، من صلاة وزكاة وصيام وحج… (وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً)!! وتدبر قوله تعالى في سورة الحجرات:

“قَالَتْ الأَعْرَابُ (آمَنَّا) قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا (أَسْلَمْنَا) وَلَمَّا يَدْخُلْ (الإِيمَانُ) فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ (تُطِيعُوا) اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ (أَعْمَالِكُمْ) شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ”.

إن الأعراب لم يكونوا صادقين في (إيمانهم)، ولا حتى في (إسلامهم)، لأنهم منافقون، يظهرون (الإسلام) كما هي عادتهم، دون أن يدخل (الإيمان) قلوبهم، لذلك قال تعالى: (وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا) – (وَلَمَّا يَدْخُلْ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ)، وهذا من البراهين الدالة على أن (إيمان) وتصديق القلب، يسبق (إسلام) وتسليم الجوارح لأحكام الشريعة!!

* وقال: “إن الركن الصحيح من بينها هو ركن الشهادة الأولى شهادة أن لا إله إلا الله، أما الشهادة بأن محمداً رسول الله، وأما إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت، فهي من أركان الإيمان وليس من أركان الإسلام”!!

التعليق: إنه يرى أن (شهادة أن لا إله إلا الله) من أركان الإسلام، أما الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت..، فكلها من أركان (الإيمان)!!

إنه لا يعلم الفرق بين ما هو من (عالم الغيب)، حيث التصديق المطلق، وما هو من (عالم الشهادة)، حيث التكليف بأحكام الشريعة!!

كيف تكون (شهادة أن لا إله إلا الله) من عالم الشهادة، حيث تفعيل الإسلام، وتكون أحكام الشريعة، من صلاة وزكاة وصوم …، من عالم الغيب، الذي يؤمن به المرء وإن لم يره؟!

* ومن قواعد وأركان الدين الجديد، الذي يسعى د/ شحرور لنشره وتثبيت دعائمه بين الناس، قوله:

“إن الجنة يدخلها كل من أسلم وجهه لله وهو محسن، وتأتي أركان الإسلام الموضوعة لتقول: لا يقوم إٍلاسلام إلا على التصديق برسالة محمد (ص)، وعلى الصلاة والزكاة والصيام والحج، وهذا هو الإسلام الذي لا يقبل الله، في زعمهم غيره، ولا يدخل الجنة إلا أصحابه، ونسأل نحن: أليس هذا بالضبط ما قالته اليهود والنصارى، فتصدى لهم سبحانه في التنزيل؟”!!

ويستدل بقوله تعالى في سورة البقرة، مخاطبا اليهود والنصارى:

“وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَنْ كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ (هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ) إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ” – “بَلَى مَنْ (أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ) فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ”.

التعليق: إن د/ شحرور لم يفهم معنى قوله تعالى (أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ)، لذلك ذهب إلى أن كل من أسلم وجهه لله وهو محسن، فهو في الجنة، وإن لم يؤمن برسالة النبي الخاتم محمد!!

إن التعبير بـ (إسلام الوجه لله) كناية عن تسليم ذات الإنسان وخضوعها لأوامر الله، تدبر قوله تعالى في سورة آل عمران:

“فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ (أَسْلَمْتُ وَجْهِي لِلَّهِ) وَمَنْ اتَّبَعَنِي وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ (فَإِنْ أَسْلَمُوا) فَقَدْ اهْتَدَوا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ”.

إن التعبير بـ (إسلام الوجه لله) كناية عن إخلاص العبودية لله تعالى (إقرار القلب، وتسليم الجوارح)!!

ويضرب الله المثل على هذا الإخلاص، بقوله تعالى في سورة الزمر:

“ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَجُلاً فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ”.

تدبر قوله تعالى: “وَرَجُلاً (سَلَماً) لِرَجُلٍ”!!
إنه عندما يخلص العبد لسيده، يُسلم لكل أوامره تسليما!!

إن د/ شحرور لا يعلم عن “اللسان العربي”، ولا عن علم “السياق القرآني”، شيئا، لذلك يخلط بين (الإيمان) و(الإسلام)، ويقول: “فإذا ما فتحنا التنزيل الحكيم، وجدناه يكلف (المؤمنين) بهذه الشعائر، وليس (المسلمين)”!!

وللموضوع بقية …..