(237) 1/9/2014 (السرقة الفكرية – 3)

ماذا يفعل (العَالِم) عندما يسطو (السارق) على بنيات أفكاره، وعصارة سهر الليالي؟! وهل يعلم (السارق)، أنه لو عرض بضاعته (المسروقة) على التجار المتخصصين في بيعها، وسألوه عن تفاصيل تتعلق بها، فإنه لن يستطيع الإجابة عليهم، وسيعلمون أنه (سارق)؟!
إن (الأفكار) ملكية خاصة (يحرم) على الناس تتداولها (بغير إذن أصحابها)، أما استخدام (الأفكار)، والتحدث عنها بأساليب مختلفة، فهذا حق كل إنسان، بشرط أن تُنسب هذه الأفكار إلى أصحابها، فإن لم تُنسب إلى أصحابها، أصبحت (سرقة) يعاقب عليها القانون الوضعي في الدنيا، والإلهي في الآخرة!!
إننا أمام مصيبة ثقافية كبرى، عندما نتصور أن أفكار العلماء والمبدعين والكتاب ملكية عامة للناس جميعا، من حقهم تتداولها دون نسبتها إلى مصدرها!! إننا يجب أن نفرق بين (الأفكار) التي هي (ملكية خاصة) لأصحابها، وبين استخدام الناس لهذه (الأفكار) والحديث عنها بأسلوبهم!!
هل تعلم أن (التقدم الحضاري)، ما هو إلا مجموعة (أفكار)، منسوبة إلى أصحابها؟! فتخيل لو أن هذه الأفكار سُرقت، وأصبحت مشاعة بين الناس، لا صاحب لها، هل ستقوم حضارة؟! عرفت ليه إحنا عايشين في عالم اسمه العالم الثالث (المتخلف)؟!
ولغياب الفرق بين ملكية (الأفكار)، واستخدام الناس لها، عن المنظومة الثقافية والمعرفية لشعوب العالم الثالث، أصبحنا لا نرى (مدارس فكرية) للعلماء والمفكرين، لذلك أصبحنا لا نستطيع أن نفرق بين الأستاذ وتلميذه، بين الذي يحمل (الحق) والذي يحمل (الباطل)، بين (السارق) و(المسروق منه)!!
لقد تقدمت الدول المتحضرة بأفكار علمائها، ومبدعيها، وكتباها، ومثقفيها، ولولا نسبة كل عمل إلى صاحبه، ما كانت هناك علوم، وما كانت هناك حضارة!! إن منظومة (الأفكار) تتحرك بين الناس، على مر العصور، منسوبة إلى أصحابها، ولولا هذه (النسبة) ما كانت هناك (مدارس فكرية)، وما كان هناك تلاميذ لهذه المدارس، يُرجع إليهم في حالة موت أساتذتهم!!
وكل هذه الإشكالات نتجت عن غياب (المنهج العلمي في التفكير)، وعدم دراية شعوب العالم الثالث بـ (أصول البحث العلمي وقواعده)، على مستوى جميع المؤسسات التعليمية!! إنك يستحيل أن تستفيد من (القامات العلمية) وأنت لا تستطيع أن تفرق بينهما في المناهج التي يتبعونها، والأدوات التي يستخدمونها!!
لقد أغلقت مدارس (الفكر الإسلامي) أبوابها على أئمة السلف، يوم أُغلق باب الاجتهاد، وأصبح المسلم (إلى يومنا هذا) أسيرا لهذه المدارس، لا يحل له الخروج عن مذاهبها، ولا عن أئمتها، وإلا أصبح مبتدعا، وغير متبع لسبيل المؤمنين!!
ثم ظهرت حركة التنوير (الإسلامي)، ثم الدعوة إلى الاكتفاء بالقرآن مصدرا تشريعيا، فأين هي مدارس هذا التنوير الفكري، وفي أي مكان تقع، ومن هم تلاميذها، مقارنة بمدارس وتلاميذ أئمة السلف؟!! لا يوجد … لماذا؟!
لأن (التابعين) و(المتبوعين) يتعاملون مع (الفكر الإسلامي) بأسلوب عشوائي، فلا يملك المفكرون (المتبوعون) مدارس فكرية، لها مناهجها المعلنة والمنشورة، ولا يملك المقلدون (التابعون) القدرة العلمية على استنباط هذه المناهج من إنتاج (المتبوعين) الفكري!! لذلك يشعر البعض أنهم يعيشون داخل منظومة (الفوضى الخلاقة)، وطبعا عندهم حق!!
إن (الإبداع العلمي) أن تأتي أنت بأفكار جديدة، لا أن تسرق الأفكار وتنسبها إلى نفسك!! إن كل المبدعين، يعملون على (أفكار) خاصة بهم، لذلك تراهم يتقدمون، ويتطورون!! أما (السُرّاق) فلن تجد لهم إبداعات مطلقا، يعيدون ويزيدون حول نفس الأفكار (المسروقة)!!
ارجعوا إلى صفحات المفكرين الذين ينادون بتنقية التراث الديني، وتطوير وإصلاح المناهج الأزهرية وستجدونهم جميعا لا يملكون (فكريا) غير سب أئمة السلف ونقد تراثهم الديني، ومع ذلك عليها مئات المعجبين!! فهل المشكلة في المعجبين، أم في غياب المنهج العلمي في التفكير؟! وإنها لمصيبة علمية وثقافية كبرى، أن يدعي (السارق) أنه من أهل العلم والفكر، فيضل الناس بغير علم، ولا يحاسبه أحد، بل ويعجب به المئات!!